لماذا توقفت عن التدوين .. وأسباب العودة من جديد

لماذا توقفت عن التدوين .. وأسباب العودة من جديد

التدوين في رأيي ليس بمهمة تقليدية ولا مجرد رص للكلمات، فما يميزها أنها مبنية على تجارب إنسانية شخصية أو خواطر أو وجهات نظر، فهي مثل حال الرسامين مع اللوحات الفنية لا يقومون برسم لوحة إلا عندما يكون هناك تركيزو استحضار للأفكار وإلا فلن تكون لوحه مميزة وفريدة، فلا يمكنك الجمع بين المحتوى الجيد والتشتت الذهني وإلا فقدت معناها، فهي مرتبطة بمدى توفر الكلمات والأفكار عند الكاتب وتتأثر بحالته الذهنية والإبداعية.

بهذه المقدمة البسيطة أستعرض حالي في السنوات الأخيرة لم يختلف كثيراً عن العديد من المدونين في الوطن العربي الذي تركوا التدوين سواء بشكل مؤقت أو دائم، فالأوضاع تغيرت على الأنترنت، والشبكات الاجتماعية ألتهمت كل شيء سواء المدونات والمنتديات بل وألتهمت المواقع أيضاً، انتشار المجلات والصحف الرقمية والتي أعطت مساحات الرأي وما يشبه بالأعمدة في الصحف القديمة ساهمت في إقدام المدونين والكتاب – وأنا منهم – على المساهمة فيها من أجل التفاعل مع جمهور أكبر.

السبب الرئيسي أيضاً الذي دفعني لترك التدوين الفترة الماضية والشعور بعدم جدية الأمر، مما لا شك فيه أن الأحداث التي أعقبت الربيع العربي كشفت الكثير من الأمور وكسرت الكثير من الثوابت والأصنام التي كنا مخدوعين فيها، وصلنا لمرحلة كبير من النضج وتحول كبير من اللون الوردي إلى درجات الرمادية المختلفة وأصبحنا نتعامل مع العالم بشكل أكثر واقعية، حينما حاولت مطالعة تدويناتي القديمة أكتشفت مدى سذاجة المواضيع التي كنا نكتب عنها وكان من الضروري حدوث تغيير شامل، وعلى جانب أخر كانت الأحداث السياسية تحتل المشهد بشكل كبير وبالتالي أصبح الكلام وسط الضجيج لن يسمعه أحد.

بالإضافة إلى انتشار حالة من الإستقطاب السياسي خلقت في النهاية حالة من الضباب لا تسمح بحرية التعبير حتى لو تكلمت في مواضيع غير سياسية، تجربة كتاباتي الشخصية على الحسابات الإجتماعية لم تكن جيدة في الفترة السابقة بسبب هذا وكانت تشهد جدل وبلبلة وسببت في قطع علاقات مع أشخاص أعتز بهم أو قيام البعض الاخر بعدم متابعتك لكي لا يزعج نفسه بهذه النقاشات، ولذلك لم أكن أرغب في تكرار المأساة وفضلت الانتظار لفترة حتى ينقشع الضباب.

ولكن لكي أكون صريحاً أكثر؛ توقفي عن التدوين كان أيضاً لعدم اقتناعي منذ سنوات بجدوى الأمر، شعور دائم بأن ما تكتبه لن يعجب أحد ولن يهتم به أحد لأن الكتابات التي تعتمد على العقلانية تتسم بالضجر والإزعاج على عكس المواضيع الشيقة أو التي تتوافق مع أفكار وعاطفة البعض مثل الكتابات التي تشبه محتويات التنمية البشرية أو مقالات تحاول التحيز لطرف معين وتلعب على هذا الوتر لكسب ود البعض وغيرها، ولكن منذ فترة كان هناك صديق مدون أجنبي أقنعني بالفعل بعدم صحة ذلك وأن هذا غير حقيقي وحعلني أغير رأيي لأتجه للتدوين من جديد، ربما كنت أتحجج كثيراً بالعمل وبالمشاريع التي أعمل عليها وهي بالفعل تأخذ كل وقتي وتركيزي ولكن أتضح لي ايضاً أنه هناك وقت فراغ يسمح بذلك وأنها ليست حجة.

.

ما الذي جعلني أغير رأيي؟

الحقيقة اكتشفت مع مرور الوقت أن الأفكار الشخصية تضيع في فضاء الأنترنت بلا فائدة، كلمات وأفكار صغيرة تحتاج أن تتبلور لكي تصنع موضوع هام قد يفيد الكثيرين، الشبكات الإجتماعية والمجلات الرقمية مع مرور الوقت للأسف في سد الفراغ التي خلفته المدونات، المنشورات الشخصية والتغريدات الهامة أصبحت ضائعة وسط سيل المنشورات على فيسبوك أو تويتر، كذلك لم تعد تستوعب الكتابات الطويلة والإسهاب في المعلومات وتحتاج إلى كتابة منشورات قصيرة وسريعة.

الكثير من الزملاء أيضاً عادوا للتدوين، وتجربتهم بصراحة كانت ملهمة لي، خصوصاً أنني تأكدت أنه ليس من الضروري كتابة منشورات طويلة عميقة فمن الممكن أن المنشورت القصيرة تعطي قيمة وفائدة كبيرة للقارئ والعبرة بالمضمون وليس بالكم.

سبب أخر مهم وهو أنني احتاج بالفعل لمساحة شخصية أكتب فيها بحرية بعيداً عن قيود الصحف أو المجلات التي كنت أكتب فيها أو ألتزم بأي سياسات تحريرية، ولن أكون مضطر للكتابة بطريقة معينة لجذب القراء بل سأكتب ما أراه بكل حرية وبلا أي ضغوط تتعلق بالعائدات أو الزوار.

تجربتي للتدوين هذه المرة ستكون مختلفة كلياً فأنا لن أتناول نفس المواضيع القديمة التي كانت تسير في نفس التيار الذي يسير عليه أغلب المدونين من قبل ونفس الأفكار التقليدية للتدوينات عموماً، كذلك لن أكتب من أجل أحد ولا من أجل مشروعات أو مبادرات ولا لكي أدعم أفكار ولا لكي حتى أظهر بصورة معينة عند القراء، لن تكون مجرد ساحة شخصية عبارة عن هراءات وشطحات ليس لها معنى، بل ستكون أقرب للمقالات ولكن مساحة شخصية لكي أطرح فيها كل تجاربي وخواطري الشخصية بحرية أكبر.

بالتأكيد أنا متفائل هذه المرة بتجربة تدوين فريدة ومختلفة ولكن ليس إلى حد كبير، لا زالت هناك مخاوف من جراء القيود والعقوبات الجزافية التي تصنعها الحكومات العربية ضد المواقع الإلكترونية، لا زلت غير متفائل بإهتمام الأفراد بالمدونات أو القراءة عموماً فأهتمامات مستخدمي الأنترنت هذه الأيام تثير الكثير من القلق.

ولكن دعنا نخوض التجربة .. فمن يعلم؟ إذا كتب لها النجاح سأعمل على تجسين التجربة وإذا لم تفلح فعلى الأقل قمنا بتوثيق كلماتنا بشكل جيد، لعلها تكون مفيدة في الأيام القادمة.

4

طالع أيضاً: