ثورة يناير وقصة قنديل أم هاشم

ثورة يناير وقصة قنديل أم هاشم

ثورة يناير قنديل أم هاشم

منذ يومين مرت الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير والتي اتسمت بالكثير من الحنين والذكريات وأيضاً قدر كبير من الآلم والشجن بسبب حلم عاشت فيه الأجيال الشابة ولكن لم يكتب له عمر طويل وتبخر في فترة قصيرة، هناك الكثير من الأسباب والتحليلات المعروفة ولكني أتفق مع الكثيرين في أنه لا يجب البكاء على اللبن المسكوب ولا فائدة من إلقاء اللوم على من تسبب في ضياعها، أفضل حل هو دراسة الأخطاء والسلبيات الحقيقية والتعلم منها.

وفي السنوات الأخيرة حينما يمر على ذكرى 25 يناير دائماً ما أتذكر رواية (قنديل أم هاشم) وهي الرواية الشهيرة جداً للروائي المصري يحيى حقي والتي تحولت إلى فيلم رائع حظي بمكانته ضمن تاريخ السينما، وأجد في هذه الرواية عدة أفكار توضح لب المشكلة أو ربما المشاكل والأخطاء التي حدثت مع الثورة، بالتأكيد يستحيل لأي شخص أن يتوقع سيناريو ما حدث أو ما سيحدث بعدها فهي لم تكن ثورة مخطط لها بالكامل ولا مؤامرات خارجية كما يصدق بعض الحمقى، العملية كانت مجرد مظاهرات للاحتجاج على الأوضاع في مصر وبسبب غباء نظام مبارك أنقلب السحر على الساحر وضعه في موقف حرج وأصبح في يد المتظاهرين قوة كبيرة لم تكن متوقعة سرعان ما هجم عليها عدة قوى سياسية لركوب الأحداث واستغلالها لصالحها، ثم حديث ما حدث!

ماهي قصة قنديل أم هاشم؟

“أم هاشم” هو اللقب الذي استخدمه بعض العامة للسيدة زينب رضي الله عنها، ولمن لم يطالع الرواية أو الفيلم كان يتم في مصر قديماً علاج الرمد بواسطة زيت القناديل المضيئة في مسجد السيدة زينب بالقاهرة وهو المسجد الذي كان يحظى بعدد ضخم من الزوار من أنحاء المحروسة لزيارة قبرها والتبرك بها.

بدون أدنى شك كان هذا يندرج تحت بند الجهل والخرافات و الغباء الشديد؛ فكيف لزيت يستخدم في إضاءة المصابيح القديمة ومملوء بالمواد الملوثة ويساعد على شفاء أعين الناس؟! هذا قد يسبب لهم العمى وقد كان، ولكن في ظل إنتشار الجهل والدجل والخرافات وفي ظل تأثر الناس بالنزعة الدينية والروحانية كانوا يؤمنون بأن هذا الزيت يشفي لأنه زيت مبارك ببركة السيدة أم هاشم!

رواية الكاتب يحيى حقي تحدث عن الشاب إسماعيل الذي تعلم الطب في الخارج وجاء لكي يحارب كل هذا الجهل والظلام السائد، وبالرغم من براعة الرواية وقوتها وجمال رمزياتها إلا أن فصل النهاية كان محبطاً قليلاً، فبدلاً من أن تركز الرواية على الصراع بين العلم والجهل السائد تحولت إلى صراع بين الحداثة والأصالة وبين قيم الشرق وقيم الغرب! بل والأكثر إحباطاً في النهاية هو ربط الأحداث وتحويلها إلى صراع بين العلم والإيمان وهي لم تكن كذلك فالعلاج بزيت القنديل ليس له علاقة بالتراث ولا التاريخ ولا الدين ولا قيم الشرق بل هو جهل وخرافة حقيقية.

مالا يعلمه الكثيرين أن الرواية مختلف بعض الشيء عن الفيلم لأن في الرواية كانت النهاية صادمة بأن “إسماعيل” بطل الرواية سيستسلم لقوى الظلام ويقرر علاج أبنة عمه بزيت القنديل بجانب الأدوية! وأن العلاج يكمن في التمسك بالعلم والإيمان ورغم أن هذا المفهوم لا خلاف عليه ولكن كما شرحت سلفاً هذا أمر ليس له علاقة بالقيم الشرقية أو الدين حتى ولو كانت موروثات أو يؤمن الكثير من العامة بذلك فهذا شيء خاطئ ولكن ربما رؤيتنا للأمور في 2020 مختلفة عن الرؤية وقت صدور هذه الرواية (عام 1944) وربما كان لهذا تأثير عليها.

ولكن على جانب أخر قرر الفيلم أن يضع النهاية الصحيحة والعبقرية في نفس الوقت، حيث سيقرر إسماعيل اللجوء للحيلة حيث سيوهمهم بأنه سيعالجها بزيت القنديل ولكنه سيستبدل زجاجة الزيت بزجاجة فيها دواء ويعالجها بشكل علمي صحيح ويعالج أخطائه السابقة، والنتيجة أن فاطمة أبنة عمه تستعيد بصرها وتذيع صيته ويسخر جهوده وعلمه لعلاج الناس.

ما هي الأفكار التي تربط قصة القنديل بثورة يناير؟

هناك بالظبط 4 أفكار مشتركة بين الأثنين؛ أولها أن الطبيب إسماعيل لم يلاحظ أن مسألة زيت القنديل يدخل فيها التجارة والمصالح، حيث يقوم بعض الطامعين والمحتالين ببيع الزجاجات بسعر باهظ ويستغلون جهل الناس وتعلقهم بالقنديل و السيدة “أم هاشم”، وبالتالي محاولة بث الأفكار العلمية الصحيحة سيكون ضربة موجعة لتجارتهم الرابحة ولذلك سيسعون بالتأكيد لمحاربته وتشويه سمعته وتقليب العامة عليه (وهذا ما حدث بالفعل في الرواية) ووصفوه بالكفر والإلحاد وأنه يريد هدم قيمهم ومبادئهم وحرمانهم من بركة “أم هاشم”!

كان يجب أن يدرك ثوار يناير بأنك لا تحارب شخصاً ولا أفراد بل مجتمع كبير يعيش على الفساد ولديهم مصالح، وبالتالي لن يسمحوا لنا بعمل ثورة تدمر مصالحهم حتى ولو كانت على أسس ومبادئ صحيحة.

النقطة الثانية وهي الأهم: أن إسماعيل أرتكب خطأ في لجوئه للصدام المباشر مع قوى الظلام والجهل في البداية، فأنت تقف أمام قوة كبيرة غاشمة وغير متكافئة ولن تربح معركتك إلا بالذكاء، الحل الثوري ليس الخيار الصحيح بل الأفضل هو الإستعانة بخدعة الزجاجة، لم يفكر أحد في الاستعانة بالمنهج الإصلاحي وتصحيح العديد من السلبيات في المجتمع وداخل الشباب أنفسهم، في فترة الثورة لم يكن كل الشباب مؤمنين بالثورة بل رأيت بنفسي العديد منهم كان مؤيداً لمبارك عن قناعة، لم تكن هناك جبهة واحدة قوية بل كانت تعاني من انقسامات ورؤية مختلف وعدم التوحد على أهداف ومصالح مشتركة حتى لو كانت لدينا أيديولوجيات مختلفة، والأسوء من ذلك هو انتشار الأفكار الخاطئة وهذا ما لمسته بنفسي في استفتاء مارس بعدها ورأيت كم من المغالطات والمعلومات الخاطئة وكان الشباب الثوري فريسة للشائعات وصراع القوى السياسية التي اعتقدت بأن المعركة انتهت.

الموضوع لم يكن يحتاج لمشروع قومي كبير أو خلق كيان أو تنظيم إنما ما أقصده ببساطة هو اللجوء لنشر الثقافة والوعي لكي تتبلور الأفكار حول أهداف مشتركة تمس الوطن وقيم التحضر، منها مثلاً خلق نظام ديمقراطي حقيقي ودولة القانون على الجميع ودولة المؤسسات والفصل بين السلطات وإعادة تنشيط النقابات والأحزاب وخلق مناخ سياسي حقيقي وتعددي كما نراه في الدول الأخرى، هذه القيم المدنية والرؤية الواسعة لم تكن شائعة وقتها بل كان الجميع ينظر من منظوره الضيق ونشر أفكاره والقضاء على الطرف الأخر، ولم يهتم أحد بأنه إذا لم يكن لديك دولة قانون ومؤسسات وغيرها لن تتحقق أحلامك ولن تصيح مصر لا إسلامية ولا ليبرالية ولا مهلبية!

قبل اللجوء للحل الثوري هناك مشاكل يجب علاجها أولاً حتى ولو كانت تحت مظلة نظام أنت غير راض عنه، لأنه لا يمكنك هدم منزل دون أن يكون لديك بديل أو لديك مخطط لإعادة بنائه في أقرب وقت ممكن وإلا ستخسر كل شيء.

النقطة الثالثة: والتي كما شرحت تمثلت في الخلط الذي قام به الروائي الكبير يحيى حقي في تحويل المسألة لصراع بين قيم الشرق والغرب أو الحداثة ضد الأصولية وهذا الخلط يقع فيه الكثير من المثقفين أيضاً وهي مسألة تشهد الكثير من الأخطاء المنطقية والموضوعية، لا يجب أن تتحول المسألة لأمور تتعلق بالعاطفة أو الانتماء أو العقيدة لأن هذا خطأ، وثانياً لأنه أي شخص سيميل الى انتماءاته بكل تأكيد، هل كان إسماعيل يعادي الدين أو تراثك أو تاريخك أو القيم الشرقية؟ بالتأكيد لا، الصراع كان واضح وبين العلم والجهل، أعدائك دائماً ما يلجأون لخلط الأمور ببعضها لإثارة الناس ضدك والاعتقاد بأنك تحارب القيم والدين والأخلاق، هذا حتى يسمى في المنطق بمغالطة الاحتكام للعاطفة argumentum ad passiones بل ووصلت إلى حد ergo decedo وهو ربط انتماء الشخص مع الكلام الذي يخاطب به الناس لإفساد حجته، يعني أنت شخص تعمل مع مؤسسات أجنبية إذن أنت عميل لهم!

وهذا بالضبط ما حدث أثناء الثورة فقد تم تحويلها إلى صراع بين الفوضى والنظام، أو خونة ووطنيين، فلول وثوريين، إسلاميين وعلمانيين، وكلُ يغني على ليلاه، رغم أنك لو نظرت للثورة بصورة مبسطة ستجدها صراع بين فساد منتشر وأشخاص يرغبون في التغيير وأن تصبح بلادهم دولة متقدمة وقوية، رؤية يتفق عليها أغلب الشعب المصري ويلتف حولها، ثورة يناير لم تكن تستهدف أفراد إنما تستهدف سلوك ومنظومات متخلفة رسخت للفساد وإفساد البلد.

هل الرؤية كانت كذلك؟ للأسف لا، لو كانت استمرت بهذا الشكل لتغيرت الكثير من الأمور.

النقطة الأخيرة تتمثل في ردة فعل إسماعيل بعد فشل عملية أبنة عمه والذي سبب لها العمى التام، أصيب بالغضب الشديد وألقى باللوم كله على الجهلة وغادر إلى أوروبا مجدداً، وعاش فترة متأثر بالصدمة والإحباط، ثم يتبين فيما بعد أن الطبيب إسماعيل كان مخطئ في تقديراته وتشخيصه واستطاع أن يقف على الأخطاء التي فعلها في العملية، وأن حماسه الشديد جعله متسرعاً ووقع في الخطأ، فيقرر علاج أبنة عمه من جديد ويجعلها تبصر من جديد، وأن المشكلة ليست في العلم أو الطب الذي تعلمه ومارسه إنما في سوء التطبيق.

وهذا بالضبط وصف ما يحدث حالياً لأنه بعد الصدمات التي حدثت للجميع في أحداث ما بعد الثورة وما بعدها والمصير المشؤوم الذي رأيناه جميع الكل فقد إيمانه بالثورة وظن أننا كنا نسير في اتجاه خاطئ، الطريق لم يكن خاطئ إنما الأفعال وسوء التنفيذ هو من تسبب في هذا، وبدلاً من البكاء على ما مضى علينا أن نتعلم الدرس ونفهم أخطائنا لكي تصبح رؤيتنا المستقبلية سليمة ونستطيع علاج الأمور أو تفادي تكرار الأخطاء مرة ثانية.

العلم والطب الصحيح لم يكونوا سبباً في فشل العملية وإصابة فاطمة بالعمى، ولا زيت القنديل كان هو الحل.

وأعتقد بأن المثال واضح وهو أيضاً رسالة إلى المحبطين والذين أداروا ظهورهم لثورة يناير.

2

طالع أيضاً: