تجربتي بإيجاز مع العمل التطوعي لأكثر من 18 عام

تجربتي بإيجاز مع العمل التطوعي لأكثر من 18 عام

تجربة العمل التطوعي تعد تجربة مميزة عن أي تجربة أخرى في الحياة، وذلك لأنك لا تفعلها وأنت مجبر عليها مثل الدراسة أو العمل أو غيره، أنت من تختار وأنت من تحدد كل شيء، تجربة تعلمك الكثير من الخبرات والدروس والأهم من ذلك أن قيامك بمساعدة الأخرين أو إفادة البشرية أو القيام بعمل نبيل يكسبك شعور رائع لا يمكن وصفه وهو الكنز الحقيقي الذي وجدته في رحلتي مع العمل التطوعي.

في الواقع أنني اليوم أنا لن أقوم بسرد تلك القصص أو المعلومات المكررة عن العمل التطوعي التي بالتأكيد عزيزي القارئ قد قرأتها مراراً وتكراراً في أماكن أخرى، فكل الأعمال التطوعية بينها قواسم مشتركة معروفة، ولكني سأحاول أن ألخص تجربتي الشخصية مع العمل العمل التطوعي بكل ما تحتويها من تجارب وخبرات وإيجابيات وسلبيات بل وأيضاً المشاكل والتحديات التي واجهتها.

حتى الآن لا أصدق أنني قد أمضيت 18 عاماً من العمل التطوعي، لا أعرف كيف بدأ الأمر وكيف استمر فالأمر لم يكن مخطط له، لا أنسى بدايتي في عام 2002 وأنا في المرحلة الثانوية حينما كنا بالمدرسة نساهم في جمع التبرعات لبناء مستشفى 57357 في ذلك الوقت ثم بعد دخولي الجامعة والتي بدأتها من العام الأول في الأنشطة الطلابية والجوالة وخدمات مجتمعية، ثم الإلتحاق بالجمعية العلمية والمشاركة في أنشطتهم وحظيت بالكثير من الذكريات الجميلة معهم، وبعدها بسنوات بدأت رحلتي الأهم مع ويكيبيديا التي نالت قسط كبير من حياتي ثم المشاع الإبداعي والمصادر المفتوحة، والأجمل فيها أنني قضيتها في عدة مراكز ما بين متدرب ومتطوع ومسئول وإدارات وعضويات إقليمية ومتحدث ومحاضر، كنت أيضاً أحد الأشخاص خارج وداخل الكواليس وفي غرف صناعة القرار، استطعت من بناء الكثير من العلاقات مع أشخاص من مختلف اللغات وبلدان العالم، ومررت خلال هذه الفترة بالكثير من التحديات والمشاكل والصعوبات ولذلك أعتقد بأن التجربة لم تكن عادية.

موضوع العمل التطوعي في الحقيقة لم يكن مثالي بالصورة التي قد يتخيلها البعض فقد واجهت أيضاً الكثير من السلبيات من الداخل قبل الخارج، ولذلك يحتاج إلى عدة مقالات للتحدث عنه بشكل كافي، ولكن سأحاول اليوم أن أطرح نقاط موجزة عامة عن التجربة وفي الأسابيع القادمة سأحاول الكلام عن كل جزئية بكل ما يشملها من إيجابيات وسلبيات لكي يستفيد منها الجميع، وأبرز النقاط التي كانت في رحلتي مع العمل التطوعي كالأتي:

1- الشعور بأهمية العمل التطوعي نفسه وتأثيره على مجتمعك

بصراحة هذه النقطة كانت أكبر حافز لي للاستمرار في العمل التطوعي وخصوصاً ويكيبيديا، فما أراه حولي من إنتشار الجهل والمعلومات الخاطئة والخرافات بل والأسوء هو آفة “الإفتاء” التي يتميز بها المصريين وإبداء الرأي في أي مواضيع بدون تخصص حتى ولو كانت المعلومات خاطئة، ايضاً لو نظرت إلى المحتوى العربي بشكل عام ستجد الكثير من النقل والنسخ لمعلومات غير مؤكدة أو غير دقيقة، كل هذا لا يمكنك تجاهله بسهولة أو التهرب منه.

البعض في هذه المسألة قد اكتفى بالنقد والتحدث عن السلبيات وإظهار العيوب والصراخ وغيره وكل من عاصر فترة بداية الألفية وفترة المنتديات كان يدرك هذه المشكلة، ولكن لو نظرت لها بتمعن لوجدت أن القيام بأفعال ولو بسيطة سيكون أفضل ألف مرة من الكلام، الجهل والمعلومات الخاطئة منتشرة بسبب عدم وجود المصدر السليم ولذلك وجهت نظري للمواقع الرئيسية ولكن لا يمكن أن أنسى بالتأكيد موقع ويكيبيديا، ويكيبيديا كانت ولا زالت تعج بالكثير من المعلومات الغير دقيقة والأخطاء ولكن ماذا لو حاولت تصحيح بعض المعلومات فيها أو إضافة بعضها؟ ربما قد يساهم في تصحيح الوضع وقد كان، فلم أنسى حتى الأن معلومة بسيطة كتبتها منذ 12 عام في ويكيبيديا فوجئت بأنها انتشرت في عدة مواقع وصحف أخرى وهذا ما يبرز تأثير عملك، وبالتأكيد أنت لن تكون مصلح الكون ولكن القليل منه قد يكون له تأثير كبير دون أن نعلم.

ومن هنا تيقنت بأن أول خطوة للعمل التطوعي يكمن في إيمانك بأهميته ما تقوم به وأنت تساهم في تحسينه ولو بنسبة واحدة في المليون، أي شخص لكي ينجح في العمل التطوعي يحتاج إلى حافز وغاية وكذلك بأن تؤمن بأنك تساهم في تقديم النفع للآخرين وتقديم أعمال جليلة لمجتمعك سواء كانت جهود ثقافية أو خيرية أو مجتمعية أو غيرها، أي مجهود تطوعي يكون وقوده هو الإيمان بالغرض النبيل الذي تقوم به وأهمية ما تفعله، وبدون ذلك صدقني سيكون العمل التطوعي مضيعة للوقت.

2- الحرية التامة

أكثر ما يميز العمل التطوعي عن غيره هو نقطة الحرية التامة، فأنت من تحدد المجال وأنت من تحدد وقتك وأنت الذي تقدم مجهودك وعطائك كما تريد وأنت من تحدد وقت التوقف أو الخروج من المشروع، لا أحد يجبرك على شيء دون إرادتك وهذه من أبرز مميزات العمل التطوعي، كذلك لست مجبر على القيام بشيء لا يعجبك أو أن تكون أمور روتينية مضطر للقيام به مثل العمل أو الدراسة أو غيره، وأعتقد أن عدم وجود هذا الضغط يساعدك على

ولكن بالرغم من ذلك فبقدر مميزات هذه الحرية إلا أن لها أيضاً سلبيات وعيوب كثيرة تتمثل في نقطة (الإلتزام) وهذه المشكلة شائعة بشدة في العمل التطوعي، كونك تعرف أنك لست مجبر على شيء قد يجعلك تؤجل الكثير من المهام والأنشطة أو ربما تتجاهل بعضها، كذلك هناك مشكلة أخرى تمثل في الوقت وتنظيمه وهي مشكلة سأحاول التحدث عنه باستفاضة في مقالة مخصصة.

3- استغلال حيوية الشباب والطاقة المهدرة

اي شخص ما بعد 12 من عمره يكون لديه شعلة نشاط بدني كبيرة عادة ما يتم الاستفادة منها في الرياضة، للأسف الشديد لم استطيع في فترة حياتي الأولى من ممارسة أي رياضة ربما لأسباب طبية أو لأنني لم أجد الحقيقة من يشجعني و يدلني بشكل صحيح، في فترة حياتك الأولى تجد لديك الكثير من الطاقة والحيوية كنت أبحث عن أفضل الطرق للاستفادة منها وكذلك طريقة للأستفادة من أوقات الفراغ خصوصاً لو كنت تدرس في كلية نظرية يهدر فيها الكثير من الوقت بشكل سيء، وبالتالي عندما يكون لديك وقت فراغ فبالتأكيد أما أن تهدره في أمور بلا فائدة أو ستحاول أن تستغله في أي شيء مفيد وهذا ما كان يدفعني بشدة نحو العمل التطوعي لأنني أطمئن بأنني على الأقل أقدم عملاً مفيداً للأخرين أو مفيد بشكل عام.

هذه النقطة دائماً ما كنت أركز عليها عندما كنت أتولى مهام تجميع المتطوعين أو Crowdsourcing لأي مشروع تطوعي اولاً أنني أثق بأن من يستطيع التطوع جيداً هم الشباب ما تحت 24 عام وثانياً أنه سيكون استفادة جيدة لهم ولطاقتهم، ولذلك إذا كنت في سن صغيرة فأفضل وسيلة للإستفادة من وقت فراغك وطاقتك هو القيام بعمل تطوعي، ومن ناحية أخرى إذا لم تستفيد من هذا الوقت ستشعر بالندم عندما تتخطى الثلاثين لأن في هذه الفترة ستتعرض للمشغوليات الضخمة وضغوط الحياة ولن تجد الوقت الكافي للقيام بأي عمل تطوعي ولا التعود عليه.

4- التأثير النفسي

أي شخص منا معرض للمشاكل النفسية وأنسب وسيلة للتغلب عليها هو الرياضة أو السفر أو ممارسة اليوجا أو الصلاة، ومن خلال تجربتي الشخصية وجدت أن العمل التطوعي كان له تأثير أكبر وتاثير جيد على الحالة النفسية، لا أنسى أبداً عندما كنت منذ سنوات طويلة قد تعرضت لحالة نفسية سيئة ما، وأثناء تصفحي لويكيبيديا قمت بإفراغ همومي في القيام بعمليات تحرير فوجدت نفسي شغوفاً بتعلم الكثير من قواعدها ومهاراتها وصرت أقضي وقت طويلة عليها وأقوم بالكثير من المساهمات والتحرير حتى وجدت نفسي مصنف ضمن قوائم الأعلى مساهمة في الموسوعة وكذلك الحصول على العديد من الأوسمة والجوائز، كل هذا ششكل دفعة معنوية جيدة لي ولهذا السبب دائماً ما أنصح أي شخص محبط بالقيام بعمل تطوعي لكي يساهم في رفع الروح المعنوية من جديد ولكن بشرط أن يختار مجال التطوع بعناية وأن يكون مؤمن بقيمة ما يقدمه كما شرحت في النقطة الأولى.

5- صعوبة الحصول على فرص

في فترة كبيرة من حياتي لم استطيع الحصول على وظيفة والتي لم يكن الهدف منه فحسب الحصول على المال بل الحصول على خبرات لبناء مسار وظيفي جيد، من مزايا العمل التطوعي أنك قد تستطيع إكتساب خبرات في بعض المجالات، فمثلاً وأنا أعمل في مجال الويب أستطعت أن أقوم بتطوير وإدارة عدة مواقع إلكترونية استفدت منها بشكل جيد، لا أنسى مثلاً مشروع الحسابات الإجتماعية لويكيبيديا والذي تمكنت من توحيدها تحت اسم واحد ثم العمل على توثيقها بالعلامة الزرقاء ثم تنشيطها والمساهمة بمنشورات يومية لزيادة عدد المتابعين، وكانت النتيجة أنها جذبت بلفعل الجمهور وكذلك الصحفيين ووسائل الإعلام والمهتمين وصارت القناة الرسمية لويكيبيديا بالعربية وأصبح هناك إهتمام بكل ما تنشره، تجربة أن تدير حساب رسمي لجهة معروفة كانت تجربة فريدة جداً لا أتوقع أنني قد أحصل عليها في مكان أخر وهذه ميزة من مزايا العمل التطوعي.

6- المزايا التي تحصل عليها

العمل التطوعي ليس سهلاً ولا مثالياً كما قلت من قبل، ولكن أفضل ما فيه هو تلك المزايا التي تحصل عليها مثل: إنشاء صداقات وعلاقات مع شخصيات مرموقة أو صداقات مع أشخاص من بلاد أخرى والتعرف على ثقافات مختلفة، ايضاً اكتساب خبرات في بعض المجالات ، فمثلاً نشاطي مع المشاع الإبداعي جعلني أعرف الكثير من المصادر التي يمكن بها جلب محتويات حرة مثل الصور والموسيقى وغيرها لكي استطيع استخدامها في المواقع ولا أقع في مشاكل تتعلق بالحقوق الفكرية وغيرها (هذه المشكلة يعاني منها الكثير من أصحاب الموقع حالياً)، أيضاً اكتسبت خبرة كبيرة في فكرة الملكية العامة public domain والاستخدام العادل fair use واستطعت التواصل مع شركة يوتيوب لفك الحظر عن بعض الفيديوهات لأصدقاء لي، أعتقد أنني لو أكن مساهماً في مجال المشاع الإبداعي ما عرفت هذه المعلومات.

من ناحية أخرى العمل التطوعي أتاح لي الفرصة للحصول على فرصة السفر للخارج مجاناً بدون تكلفة، أتاحت لي الفرصه في الظهور الإعلامي عدة مرات والقيام بلقاءات تلفزيونية وصحفية، الكثير من الأمور اكتسبتها واستفدت منها مع العمل التطوعي وهذه حقيقة وليس كلام منمق.

7- الإحباط وسلبيات العالم الخارجي

هذه النقطة من السمات الرئيسية التي اصطدمت بها بشدة مع العمل التطوعي ولم تكن بسيطة، نعم تعرضت كثيراً للإحباط وقلة التشجيع من العالم الخارجي إما بسبب وضع عراقيل في طريقك أو السخرية والتقليل من قيمة ما تفعله أو وصفه بأنه إضاعة وقت، سلبيات العمل التطوعي أيضاً تجعلك أحيانا تصدم وتقرر التوقف أو الإعتزال أحياناً وهذا ما تعرضت له بالفعل عدة مرات، وأي شخص في العمل التطوعي أيضاً معرض لمثل هذه المحن وهو ما دفع الكثيرين للاعتزال بكل أسف.

يجب الإشارة أيضاً إلى أن ظروف المجتمعات في الوطن العربي ليست جيدة مع العمل التطوعي ولا تساعد بالقدر الكبير بل أحياناً تحبط من همة هؤلاء المتطوعين ولكن الصورة ليست مظلمة بشكل عام فهناك أيضاً الكثير من الأشخاص يشجعون المتطوعين ويشجعون العمل التطوعي ويدركون القيمة المعنوية للشكر والثناء، ولكي أكون منصفاً غالبية من تعاملت معهم كانوا إيجابيين ومرحبين بكل النشاطات التطوعية حتى من الطبقات الفقيرة الغير متعلمة، ولكن أحياناً بعض الأمور السلبية كفيلة بقتل المتطوع تماماً ولكن أشكر الله على أن معظم المتطوعين لديهم حماس وعزيمة تجعلهم يتخطون هذه الأمور بسهولة.


يبقى هنا سؤال أخير: هل لو عاد بي الزمن للوراء هل كنت سأشارك بنفس القدر في نفس العمل التطوعي؟ كما شرحت أنا لست نادماً على أي مجهود أو وقت أمضيته مع العمل التطوعي لأن كله كان من أجل الخير، تجربتي كانت رائعة وكل الأعمال الي شاركت فيها كانت رائعة وكانت مفيدة حقاً ولكن الشيء الذي كنت سأفعله لو عاد بي الزمن هو ألا أشارك بنفس القدر إنما التركيز على أهم النقاط من أجل تحقيق نتائج أفضل مما حققته، لأنني عشت فترة طويلة من التعب والإرهاق والغرق في المشاكل التي لم يكن لها أهمية، فالموضوع ليس مجهود بكم كبير بقدر ما هو مجهود بجودة أفضل.

أحياناً الإنخراط في العمل التطوعي بلا تخطيط هو أسوء القرارات، ولذلك لو استطعت تلخيص أهم درس من خلال تجربتي ستكون بلا شك التخطيط الجيد لما ستقوم به ووضع أهداف محددة من أجل السعي لتحقيقها، هناك الكثير من الإيجابيات والسلبيات قمت بطرحها هنا وأهم شيء تعلمته هو ضرورة القراءة أكثر والإطلاع على ما يخص المجال الذي ستقوم بالتطوع فيه، الكلام عن العمل التطوعي كبير ولذلك سيكون لنا لقاء أخر في التدوينات القادمة.

0

طالع أيضاً: