التاريخ الزائف ولماذا البشرية في أمس الحاجة إلى “قراءة التاريخ”

التاريخ الزائف ولماذا البشرية في أمس الحاجة إلى “قراءة التاريخ”

من أكثر الاشياء التي كنت أكرهها اثناء دراستي أن مادة التاريخ كان يتم التعامل معها على أنها بضعة حكايات يجب حفظها للحصول على الدرجات، أو الاعتقاد بأنها مادة من أجل المعلومات العامة، أو معلومات بغرض الإعتزاز بتاريخ بلدك أو التباهي ضد دولة أخرى،  وكل هذا في الواقع ليس السبب الحقيقي لأهمية التاريخ الذي يعد أبرز العلوم الإجتماعية والإنسانية، والذي لا يقتصر على بضعة أحداث ولا أرقام.

التاريخ باختصار هو عملية بناء للمستقبل من خلال التعلم من دروس الماضي وما فعله أسلافنا، فبدون الماضي لا يوجد حاضر ولا مستقبل، تاريخ البشرية مليء بالنجاحات والإخفاقات، مليء بالأمجاد والبطولات والإحفاقات، مليء بالكثير من القصص الملهمة وكذلك المأسي والأخطاء والمشاكل، حرص أسلافنا على كتابة وذكر كل الأحداث ومن خلالها استطعنا أن نفهم الكثير من الأمور التي تتعلق بالجغرافيا أو السياسة أو الأديان بل وأيضاً معظم فروع العلوم التطبيقية والعلوم الطبيعية بل وأيضاً الرياضيات والاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها.

كذلك من المعروف أن الحضارات الإنسانية بدأت منذ اختراع الكتابة، وكان أول شيء استخدم للتدوين هو التاريخ بلا شك وتدوين الأحداث والمعارك وأسلوب الحياة، التاريخ أيضاً ساهم بشكل كبير في تشكيل الثقافة الإنسانية بشكل عام ومن خلاله يمكننا التنبؤ بالمستقبل أيضاً وهذا المنهج متبع في الكثير من العلوم الأخرى، يعني باختصار التاريخ أكبر بكثير من حصره في مجرد قصص وحكايات وتلك الصورة النمطية الشائعة، ولن أسرد الكثير من الكلام عن أهمية  التاريخ ولكن ما طرحته هو تمهيد لما هو قادم.

ماهي المشاكل أو التحديات التي تتعلق بمجال التاريخ؟

من المعروف منذ القدم بأن المنتصر هو من يكتب التاريخ، يكتب ما يريد ويحذف ما يريد وكانت الأمور تصل لحرق الكتب وقطع الألسنة، الطرف الأقوى دائماً يحاول تمجيد انتصاراته وتمجيد نفسه وإبرازه بصورة معينة وإخفاء مساوئه،  بل وكأن أكبر انتقام من شخص أو جماعة أو مدينة هو تشويه تاريخها وإحبار المؤرخين على لعنها والذم فيها، كل ما سبق شيء معروف لكل المهتمين بالتاريخ ولكن مالم ينتبه له الأقوياء بأن التاريخ ليس له مصدر واحد فمن المستحيل السيطرة على كل هذه المصادر، دائماً ما يكون هناك طرف يحتفظ بالحقيقة ويستطيع نقلها للأجيال التالية وعندما يتم مقارنة هذه المعلومات أو المصادر ببعضها تستطيع أن تكشتف الفرق بينهما.

التاريخ أيضاً يتعرض كثيراً منذ القدم للتحريف والتشوية والشائعات والتأويل والأخطاء والخرافات والقصص الشعبية وما قد ينقله الناس بدون تحقق لا يمكنك أن تقف على فقرة منه وتتأكد بنسبة 100% من صحته ولا يمكن الجزم أيضاً بصحة أي مصدر تاريخي بشكل كامل، واضف إلى ذلك التأثر بالانتماءات والأديان والمعتقدات والأهواء الشخصية أو المصالح السياسية، وكما يقول جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازية (يجب أن تكذب كذبة كبيرة ليصدقها الناس).

التاريخ يتأثر أيضاً بالعواطف الشخصية أو الكراهية لطرف ما بشكل يجعله يتناول الأحداث بشكل ما، وهو ما يطفي تحدى أخر كبير اسمه (التحيز) وهو أحد أكبر مشاكل مجال التاريخ، فلا يمكنك الجزم بالحيادية التاريخية أو الأمانة العالية لأي مصدر تاريخي أو الوثوق في دقته بشكل كامل.

ولكن ورغم كل ما سبق فالتاريخ أيضاً مثل لعبة الأحجية أو Jigsaw puzzle مثل القطع أو الألغاز يستطيع الأخرون من فحصها وترتيبها وربطها ببعضها، وتستطيع من خلال هذه الرؤية أن تعرف القطع الفاسدة أو التي لا تتماشى مع التسلسل المنطقي للأحداث أو قد ترى التحيزات بنفسك، اتباع الأساليب العلمية الصحيحة في هذا الأمر يساعد كثيراً في تناول الأحداث بدقة أعلى وبشكل مرضي.

ماهي مشكلة التاريخ الزائف أو Pseudohistory؟

في مجال العلوم هناك ما يسمى بالعلم الزائف Pseudoscience وهو مصطلح مكون من شقين وهو المعلومات التي يتم الإدعاء بأنها علمية وحقيقية ولكنها ليست مبنية على أي أسس علمية ولا يتوفر فيه أسس المنهج العلمي وليس مبني على التجربة والدليل والتحقق من الأدلة والمصادر واستناجات وبراهين واضحة ولا أتباع أسس البحث العلمي بل يكون مبني على افتراضات أو نظريات المؤامرة أواللعب على وتر أهواء الأخرين أو الشعبوية أو التلاعب بالحقائق والاستعانة بالمغالطات المنطقية أبرزها فكرة الانحياز التأكيدي وهو الميل للبحث عن وتفسير وتذكُّر المعلومات بطريقة تتوافق مع معتقدات وافتراضات الفرد بينما لا يولي انتباهًا مماثلًا للمعلومات المناقضة لها.

ومثلما هو الحال مع العلوم الزائفة فإن هناك أيضاً التاريخ الزائف Pseudohistory وهو قيام البعض بافتراض معلومات تاريخية من خلال تناول سطحي أو ظاهري لبعض الحقائق والأحداث أو استنتاجها بشكل خاطئ أو الاستعانة بمعلومات غير مؤكدة أو مشوهه أو الاستعانة بالخرافات.

مسألة التاريخ الزائف هي أكبر كارثة  تمس التاريخ، وذلك لأنك لا تستطيع معرفة الفرق ويتم تلبيس الأمر على العامة وخاصة أنصاف المتعلمين أو أنصاف المثقفين، تجدها معلومات مغلفة بشكل احترافي يطفي عليها الطابع العلمي أو الأكاديمي، ولعل أبرز أدوات نشر التاريخ الزائف حالياً هو الكتب المطبوعة أو الفيديوهات التي تنشر على يوتيوب أو معلومات تنشر من خلال مجلات إلكترونية تتمتع بتصميم بارع وأنيق من أجل جذب المشاهدات أو لإدعاء المعرفة والسعي للشهرة، وللأسف يستغل هؤلاء جهل العامة ببعض مواد التاريخ أو اللعب على وتر القوميات والإنتماءات من خلال الترويج لإدعاءات تاريخية في هذا المسار.

من أسوء أضرار التاريخ الزائف أيضاً هو أنها قابلة للتصديق وتشعر وكأنها موثقة بشكل علمي ومعلومات صحيحة، بل وقد تصل لدرجة الإقتناع التام والإيمان بها، ومحاربة أي معلومات قد تنفيها حتى ولو كانت هذه هي المعلومات الحقيقية الصحيحة! خاصة لو كانت هذه المعلومات ملائمة لمعتقدات الشخص أو انتماءاته أو أفكاره ولا يقبل فكرة أن تكون هذه المعلومات غير حقيقية، أو أنه يقتنع بصحة معلومة ما تاريخية لتلميع فترة تاريخية يعتز بها.

ولعل أبرز الامثلة على التاريخ الزائف تلك القصص التاريخية التي روجت لها الحركة الصهيونية لخلق مبررات تاريخية لإحتلال فلسطين وبالأخص قصص الهيكل الثاني الذي هدمه الرومان وضرورة العودة إلى أرض الميعاد واستعادة الهوية، أيضاً الترويج بأن اليهود القدامى هم من بنوا الأهرامات رغم عدم دقتها التاريخية، أيضاً تسعى بعض الدول لإحياء مغالطات أو أساطير تاريخية من أجل أغراض سياسية.

في الفرة الحالية بات التاريخ الزائف من أكبر التحديات لأن وجوده يؤثر بالسلب على العديد من الجوانب الأخرى لا تتعلق بالتاريخ وحده، بل والاسوء أنه يؤدي لحالة من غسل الأدمغة وتحفيز الأفراد لتقبل أي خرافات أو معلومات مغلوطة.

الخطوة القادمة (قراءة للتاريخ)

بناءاً على ما سبق أصبحنا الأن في أمس الحالة لإعادة قراءة التاريخ بعناية، وضرورة إعادة مطالعة المصادر التاريخية وترتيب المراجع والأحداث ومقارنة مختلف وجهات النظر للتحقق من كافة المعلومات التاريخية، ليس المطلوب هو التشكيك في كل ما مضى فليس هناك داعي لذلك ولكي ايضاً لا نسقط في فخ التاريخ الزائف والإنحراف عن التاريخ الحقيقي، ولا ينبغي السير عكس التيار من أجل الإختلاف عن الآخرين فهذا الهدف الرئيسي، الغرض هو تحليل بعض النقاط والمواضيع التاريخية بشكل موضوعي عقلاني وبإستخدام منهج علمي سليم يعتمد عل المصادر والمراجع والتحقق منها،  خاصة أننا نعيش عصر الأنترنت والثقافة الواسعة وتعدد المصادر بشكل لم يكن متوفر للأجيال السابقة،

ولذلك ومن أجل السعي لهذه الفكرة وقررت منذ فترة تقديم سلسلة من التدوينات تحت تصنيف (قراءة للتاريخ) سأقدم فيها أطروحاتي الشخصي حول بعض المواضيع التاريخية بشكل علمي موضوعي خالية من العواطف أو الإنتماءات وبعيدة عن الجدالات، ربما قد تسهم بشكل إيجابي في إعادة قراءة التاريخ بشكل صحيح.

Pseudohistory

0

طالع أيضاً: